مقدمة الكتاب
في ظل التأثيرات الناجمة عن الترابط الدولي في زمن العولمة، يستأثر التدبير اللامركزي واللامتمركز للمجالات بدعم مختلف البلدان على المستوى العالمي، وذلك لتزايد الضغط على المناطق التي تفتقر إلى الموارد الذاتية المنتجة للثروة أو التي تفتقد حكامة في التدبير تمكنها من التموقع في عالم يتسم باشتداد الجاذبية القائمة على تسويق ترابي أفضل من المنافسين.
وفي هذا السياق الدولي المُعَولمِ المتميز بالمنافسة، يعتبر المغرب من البلدان التي انخرطت منذ السبعينات من القرن العشرين في بناء منظومة جهوية لخلق توازن مجالي وتحسين أساليب التدبير المحلي، عبر السعي إلى توزيع أفضل للموارد بين الجهات وداخل كل جهة، ثم اعتبار الجهة كبديل لبلورة استراتيجية التنمية وإبراز جاذبيتها الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة الجهات المهمشة من قبل السياسات المركزية المعتمدة سابقا.
هذه التوجهات التي هدفت إلى احتواء بؤر الاختلالات بالمجال المغربي، اصطدمت بإكراهات على مستوى تأهيل ودعم مختلف الجهات التي ما زالت تنتظم في إطار ثنائية موروثة متسمة بأولوية المجال الأطلسي والمتوسطي على ما وراء سلاسل الأطلس؛ أي المجال الهامشي، وأضيفت إلى ذلك أولوية تمويل مشاريع استثمارية موجهة لمناطق دون غيرها على حساب التنمية الاجتماعية، كأن الجهة قابلة للتسويق أكثر مما هي مهيأة لتنمية المجال. وانطلاقا من هذه المؤشرات لم يستطع المغرب لحد الآن أن يؤسس لبناء جهوي يكرس لحكامة ترابية تستطيع تحقيق تنمية شمولية ومندمجة.
وتأسيسا لما سبق، فجهة الشرق فلا تزال تواجهها إكراهات بنيوية مجالية وإنتاجية، مما أثر على ضعف مساهمتها في الإنتاج الاقتصادي الوطني التي لا تتجاوز نسبة 4,9%، وكذا تسجيلها لأعلى معدل بطالة وطنيا ب20,7%، إلى جانب تباين مستويات التنمية بين شمال شرق الجهة الدينامي (إقليمي الناظور وبركان وعمالة وجدةأنكاد) الذي حظي باستقطاب للاستثمارات العمومية – جعلته أكثر جاذبية على مستوى السكان والاستثمارات الخصوصية-، وبين أقاليم الوسط والجنوب التي تعيش على وقع النهوض والتعثر (أقاليم فجيج وجرادة وتاوريرت وجرسيف والدريوش) وترتبط بالموارد الاقتصادية المحلية غير القادرة على الرفع من تنافسيتها وإنتاجيتها.
فعلى الرغم من مسلسل البناء الجهوي الذي عرفته جهة الشرق فلا زالت لم تستطع معالجة الاختلالات المجالية في مختلف أبعادها، ولا زالت الإنتاجية ضعيفة ومعدلات البطالة والهجرة مرتفعة. من هذا الواقع انبثق موضوع هذا الكتاب “جهة الشرق في منظومة البناء الجهوي بالمغرب: مقاربة سياسية أم توجه تنموي؟” للعمل على تتبع وتقييم نتائج التقطيعات التي عرفتها جهة الشرق ومؤشرات التفاوتات بين أقاليمها، ومن ثمة تحليل الواقع التنموي، ومعاينة حكامة تدخلات الفاعلين وتوجهاتهم التنموية، بغية فهم وملامسة الاختلالات التي تقف في وجه التنمية الترابية بالجهة بشكل عام.